تشهد المملكة العربية السعودية في العقد الحالي تحولات جذرية في بنيتها الاقتصادية والمعرفية، مدفوعة بأهداف رؤية 2030 التي تسعى إلى تجاوز الاعتماد التقليدي على النفط وتأسيس اقتصاد معرفي متطور. في هذا السياق، جاء إصدار تقرير “مشهد اقتصاد الكم في المملكة العربية السعودية” عن مركز الثورة الصناعية الرابعة كخطوة مؤسِّسة لمشروع استراتيجي طموح يتمثل في بناء منظومة كمومية وطنية متكاملة. التقرير الذي صدر في ديسمبر 2024 يتبنى رؤية استشرافية، ويقدم تحليلا دقيقا للفرص والتحديات، كما يطرح خارطة طريق تهدف إلى تمكين المملكة من اللحاق بركب الدول الرائدة في تكنولوجيا الكم، بل وربما تجاوز بعضها في بعض المجالات المحددة.
يعتمد التقرير على مبدأ أساسي مفاده أن التقنيات الكمومية لم تعد رفاهية علمية أو أفقا بعيد المدى، بل أصبحت تشكل بنية تحتية حيوية للقطاعات الاستراتيجية مثل الأمن السيبراني، الطاقة، الرعاية الصحية، والخدمات المالية. ومن هذا المنطلق، يتعامل التقرير مع الكم كمجال ذي أولوية وطنية، ويحدد ضرورة تبني سياسات استباقية لبناء القدرات المحلية في مختلف مكونات النظام البيئي الكمومي.
عند تحليل مضمون التقرير، يتضح أن مركز الثورة الصناعية الرابعة تبنى نهجا متكاملا يبدأ من تأسيس المعرفة الأساسية لدى الجمهور وصانعي القرار حول خصائص التقنيات الكمومية، لاسيما مفاهيم مثل التراكب والتشابك الكمومي وعدم النسخ والتداخل الكمومي، ثم ينتقل إلى استعراض التطبيقات العملية لهذه المبادئ في الحوسبة الكمومية والاتصالات الكمومية وأجهزة الاستشعار الكمومية والمحاكاة الكمومية. هذا الانتقال من التأصيل العلمي إلى التطبيقات يعكس وعيا مؤسسيا عميقا بضرورة بناء فهم مشترك ومتماسك بين الأكاديميين والتقنيين والمستثمرين وصناع القرار، كشرط أولي للنجاح في هذا المجال المعقد.
تخصيص التقرير لفصل كامل حول التأثيرات المحتملة للكم على القطاعات الاقتصادية والاجتماعية يعد إشارة مهمة إلى أن الحوسبة الكمومية ليست فقط ثورة تقنية، بل تحمل أيضا أبعادا اجتماعية وجيوسياسية عميقة. من جهة، تتوقع السعودية أن تسهم تقنيات الكم في تسريع اكتشاف الأدوية عبر المحاكاة الكمومية للبروتينات والأنزيمات، وتحسين كفاءة الطاقة من خلال تطوير مواد فائقة التوصيل، وتأمين شبكات الاتصال عبر التشفير الكمومي. ومن جهة أخرى، يدرك التقرير أن الانتقال إلى اقتصاد كمومي قد يفاقم الفجوات الاقتصادية العالمية ويؤدي إلى ظهور ما يسميه المنتدى الاقتصادي العالمي بـ”الانقسام الكمومي” بين الدول التي تمتلك القدرات الكمومية وتلك التي تفتقر إليها.
أما فيما يتعلق بتشخيص الوضع الداخلي، فإن التقرير يقدم تحليلا متوازنا لواقع المملكة. فهو لا يكتفي بتعداد المبادرات والبرامج القائمة، بل يقدم تقييما نقديا يشير إلى أن الجهود الحالية، رغم كونها واعدة، لا تزال مشتتة وغير موحدة ضمن استراتيجية وطنية شاملة. كما يشير إلى أن المملكة تواجه تحديات كبيرة تتعلق بندرة الكفاءات المحلية المتخصصة في الفيزياء الكمومية وهندسة الأجهزة الكمومية، وغياب المرافق البحثية المتخصصة في تصنيع الكيوبتات وتطوير الأجهزة الكمومية، فضلا عن المنافسة العالمية الحادة لاستقطاب العقول والكفاءات في هذا المجال الناشئ.
إزاء هذا الواقع، يقترح التقرير خارطة طريق واضحة تقوم على عدة محاور أساسية. أولها هو بناء منظومة تعليمية متكاملة لتطوير رأس المال البشري في مجال الكم تبدأ من المراحل الابتدائية والثانوية، وليس فقط على مستوى التعليم العالي. ثانيها هو تعزيز البحث العلمي عبر إنشاء مراكز تميز وطنية ومختبرات متخصصة مع ربطها بالجامعات الرائدة والقطاع الخاص. ثالثها هو تحفيز القطاع الصناعي على تبني تطبيقات الكم من خلال تقديم حوافز مالية وتنظيمية مناسبة. رابعها هو دعم إنشاء “مصنع كمومي” (Quantum Foundry) وطني يرتكز على البنية التحتية لأشباه الموصلات القائمة في المملكة لتصنيع أجهزة كمومية محلية، مما سيساعد على بناء استقلالية تكنولوجية وتقليل الاعتماد على المصادر الأجنبية. خامسها هو اعتماد استراتيجية دبلوماسية تقنية تركز على بناء شراكات دولية مع الدول المتقدمة في الكم، مع المحافظة على السيادة الوطنية عبر تطوير بروتوكولات خاصة للاتصالات الكمومية الآمنة.
من جهة أخرى، يقدم التقرير تحليلا معمقا للمشهد العالمي، حيث يلاحظ أن القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وألمانيا وكندا تتسابق لتأمين الريادة في هذا المجال عبر استثمارات ضخمة تتجاوز الأربعين مليار دولار من الأموال العامة. في المقابل، يشير التقرير إلى أن هناك نافذة زمنية محدودة يمكن للسعودية من خلالها أن تخلق لنفسها مكانة استراتيجية، خصوصا في المجالات التطبيقية التي تتطلب حلول كمومية محلية ملائمة للبيئة الاقتصادية الإقليمية، مثل محاكاة المكامن النفطية أو إدارة شبكات الطاقة المتجددة.
إن ما يميز التقرير حقا هو إدراكه العميق أن النجاح في الكم لا يعتمد فقط على امتلاك الأجهزة والتقنيات، بل على بناء منظومة بيئية كاملة تشمل الكفاءات البشرية، البنية التحتية البحثية، الإطار التشريعي والتنظيمي، الثقافة المؤسسية المحفزة على الابتكار، والانفتاح المدروس على الشراكات الدولية.
وبالنظر إلى التقدم الذي تحرزه المملكة في مبادرات مثل اتفاقية أرامكو مع شركة “Pasqal” لإنشاء أول حاسوب كمومي محلي، والبرامج التعليمية الجديدة في جامعات مثل KFUPM وKAUST، بالإضافة إلى الفعاليات التوعوية مثل يوم الكم العالمي، يمكن القول إن الأسس الأولية لبناء اقتصاد كمومي سعودي قد بدأت تتشكل بالفعل. إلا أن تحقيق الأهداف الكبرى يتطلب إيقاعا أسرع في التنفيذ وتكاملا أعمق بين المبادرات المنفردة تحت إطار وطني موحد.
ختاما، فإن تقرير “مشهد اقتصاد الكم في المملكة” لا يشكل فقط وثيقة تخطيطية، بل يمثل إعلان نضج استراتيجي مبكر من قبل السعودية في التعامل مع ثورة تقنية من المتوقع أن تعيد رسم خرائط النفوذ الاقتصادي والسياسي خلال العقود القادمة. ومع الالتزام المستمر بتنفيذ توصياته، يمكن للمملكة أن تضع نفسها في مصاف الدول القليلة القادرة على قيادة التحول الكمومي العالمي.
: المرجع الأساسي
تقرير مشهد اقتصاد الكم في السعودية – مركز الثورة الصناعية الرابعة، ديسمبر 2024
بقلم
ملاك طرابلسي لويب
Vernewell Groupالرئيس التنفيذي لمجموعة
Quantum Universum
هذا المقال جزء من سلسلة مقالات “َQuantum Universum”، وهي مبادرة فكرية تابعة لمجموعة فيرنويل، تهدف إلى نشر المعرفة بالتقنيات الكمومية وتعزيز بناء اقتصاد معرفي متقدم في العالم العربي.
للمزيد من المعلومات والتواصل، يرجى زيارة الموقع الإلكتروني الرسمي أو مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني.
نواصل معًا رسم ملامح المستقبل، ونؤمن أن استكشاف علوم الكم هو أحد أهم مفاتيح التنمية والريادة في القرن الحادي والعشرين.
لمزيد من المعلومات، يمكنكم زيارة موقعنا الرسمي
www.quantumuniversum.com
للتواصل معنا مباشرةً
info@vernewellgroup.com











