حين بدأت رحلتي من مجالي القانون والفضاء إلى مجال العلوم الكمية في عام ٢٠٢٠، لم تكن الخطوة مجرد انتقال مهني، بل كانت تحولًا فكريًا عميقًا دفعني إلى البحث في جوهر العلاقة بين الإنسان والمعرفة، بين التقنية والسيادة، وبين الرؤية والمسؤولية. كنت أؤمن أن هذه العلوم الناشئة ستعيد رسم معادلات الأمن القومي والقانون الدولي، وستفرض علينا أن نعيد التفكير في منظومة القيم التي تحكم تطور التكنولوجيا ومسؤولية توجيهها.
ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الإيمان إلى التزام عملي تجسّد في برنامج تبنّي التقنيات الكمية الذي أطلقته مجموعة فيرنويل تحت مظلة كونسورتيوم كوينوفيجن، ودخل حيّز التنفيذ منذ عام ٢٠٢٤ من خلال قمة الابتكار الكمي التي أرست إطارًا مؤسسيًا لتسريع تبنّي العلوم الكمية في القطاعات الاستراتيجية. ومع هذا التحول، أصبحت الإمارات نموذجًا يُحتذى في الجمع بين الابتكار والمعرفة والسيادة التقنية.
غير أن هذه الرؤية لم تكن لتتبلور دون الإيمان المبكر للقيادة الإماراتية بأهمية استشراف المستقبل واستثمار العلم كركيزة للسيادة الوطنية. فقد شكّلت توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، ورؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، الأساس الفكري والعملي الذي أطلق شرارة التوجه نحو بناء منظومة وطنية في العلوم الكمية. فبفضل هذه الرؤية التي آمنت بأن العلم هو الاستثمار الأسمى في الإنسان والمستقبل، تحوّلت المبادرات إلى مؤسسات، والمفاهيم إلى واقع ملموس.
وفي ظل هذا التوجّه القيادي المستنير، جاءت الشراكة الاستراتيجية بين مجموعة فيرنويل وأكاديمية أبوظبي البحرية لتجسّد الرؤية الوطنية نحو بناء منظومة كمية متكاملة تجمع بين التعليم، والبحث، والتطبيق الصناعي. وقد استضافت الأكاديمية، بصفتها الجهة المضيفة والراعية الرئيسية، مؤتمر العلوم الكمية البحرية ٢٠٢٥، بدعم ورعاية من مجموعة موانئ أبوظبي، ليصبح هذا الحدث التاريخي الأول من نوعه عالميًا الذي يُدخل العلوم والتقنيات الكمية إلى القطاع البحري. هذا الإنجاز لم يكن مصادفة، بل ثمرة إيمان مؤسسي بأن التكامل بين الأكاديميا والصناعة هو الطريق إلى السيادة التقنية والابتكار المستدام.
وقد لعب معالي الدكتور محمد الكويتي، رئيس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات، دورًا محوريًا في دعم هذه المسيرة، انطلاقًا من رؤيته الوطنية التي تجعل من الأمن السيبراني الكمي ركيزة أساسية للسيادة الرقمية للدولة. فبقيادته الحكيمة ومتابعته المستمرة لمبادرات مجموعة فيرنويل منذ انطلاق قمة الابتكار الكمي، دعم هذا التكامل بين الأمن والابتكار، وساهم في انتقال المبادرات من الإطار الفكري إلى التطبيق العملي، مما جعل من مؤتمر العلوم الكمية البحرية استمرارًا طبيعيًا لتلك المسيرة. وقد أكد في كلمته الافتتاحية أن الأمن الكمي يمثل الأساس الذي ستُبنى عليه البنى التحتية المستقبلية للأمن الوطني في دولة الإمارات.
كما قدّم البروفيسور السير كونستانتين نوفوسيلوف، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، رؤية علمية حول المواد الجديدة والحوسبة الاحتمالية والتقنيات الكمية، موضحًا كيف يمكن لابتكارات العلوم الأساسية أن تُترجم إلى حلول عملية تعزز التنمية والاقتصاد المستدام.
وقد قدّم سعادة الدكتور ياسر الوحيد، رئيس أكاديمية أبوظبي البحرية، رؤية قيادية عميقة عبّر فيها عن الدور الاستراتيجي الذي تضطلع به الأكاديمية بوصفها مركزًا وطنيًا يجمع بين التعليم والبحث والتطبيق، مؤكدًا أن تطوير الكفاءات الوطنية وتمكينها بالمعرفة التطبيقية هو الطريق نحو بناء اقتصاد بحري قائم على الابتكار والاستدامة. وأوضح أن الأكاديمية تقود عملية دمج الذكاء الاصطناعي في منظومة العمليات البحرية واللوجستية، من خلال بناء إطار تعليمي وتطبيقي متكامل يربط بين تحليل البيانات، والابتكار في الحلول الرقمية، والتدريب العملي المستند إلى البحث. هذا النهج لا يعزز فقط جاهزية القطاع البحري لتبنّي التقنيات الكمية، بل يؤسس لمنظومة تحول ذكي متكاملة تُعيد تعريف الكفاءة والأمن والاستدامة ضمن رؤية الإمارات للتحول الاقتصادي القائم على المعرفة والتقنية.
وفي الجلسة الختامية أعلن سعادة الدكتور ياسر الوحيد، رئيس أكاديمية أبو ظبي البحرية، عن إطلاق مبادرة الكوانتم والذكاء الاصطناعي الزرقاء (Quantum and AI Blue Initiative QAIBI)، التي أطلقتها الأكاديمية بالشراكة مع مجموعة فيرنويل، لتكون منصة استراتيجية تربط بين التعليم والبحث والابتكار الصناعي وتفتح المجال أمام تطبيقات كمية وذكية تعيد تعريف العمليات البحرية. وتهدف المبادرة إلى تسريع تطوير حلول عملية قائمة على التكامل بين الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية في مجالات الأمن السيبراني البحري والاستشعار الكمي وإدارة الطاقة والاستدامة وأنظمة التنبؤ الذكي بالمخاطر، بما يسهم في بناء الاقتصاد الأزرق الذكي وتعزيز مكانة أبوظبي كمركز عالمي للتميز في الابتكار البحري الكمي.
وفي المشهد المؤسسي الأوسع الذي تبلور عبر المؤتمر، برزت أدوار مجلس الأمن السيبراني لدولة الإمارات، ومعهد الابتكار التكنولوجي (TII)، ومجموعة إيدج وشركتها كاتم (KATIM)، وشركة بناء السفن في أبوظبي (Abu Dhabi Ship Building ADSB)، وشركة كوانتليز (QuantLase Laboratory) التابعة لـ الشركة العالمية القابضة (International Holding Company IHC)، إلى جانب شركة برسايت (Presight) التابعة لمجموعة G42، التي أضافت بخبرتها التحليلية والتشغيلية منظورًا مؤسسيًا متكاملًا حول حوكمة البيانات والبنية التحتية الذكية. كما شاركت شركة كوانتم غيت (QuantumGate)، التي تأسست بدعم من مجلس البحوث التكنولوجية المتقدمة (ATRC)، في تقديم أنظمة الاتصالات الكمية المؤمنة، في حين مثّلت شركة آي دي كوانتيك السويسرية (ID Quantique) بُعد التعاون الدولي في تطوير الشبكات المؤمنة كميًا.
وشهد المؤتمر أيضًا حضورًا ومشاركة من شركات عالمية كبرى تمثل طليعة التطور في الحوسبة والاتصالات الكمية، من بينها Quantinuum وIonQ وIBM Quantum وPasqal وSynergy Quantum وQ-CTRL وAmazon Web Services (AWS Quantum) وQuantum Brilliance وQuantum Dice، إلى جانب Classiq الرائدة في تصميم الخوارزميات الكمية، وQuEra Computing التي تعاونت مع شركة إتقان الخليج للتقنية (Itqan Al Khaleej Technology) ضمن إحدى الشراكات التي أطلقت شرارتها قمة الابتكار الكمي ٢٠٢٤ التي تنظمها مجموعة فيرنويل، لتشكل نموذجًا حيًا لكيفية تحويل الحوار العلمي إلى تعاون عملي يربط بين المعرفة والقدرة التنفيذية.
لقد أثبت المؤتمر أن العلوم الكمية ليست مرحلة تقنية فحسب، بل رؤية وطنية شاملة لإعادة صياغة علاقة الإنسان بالتقنية من منظور أخلاقي واقتصادي ومعرفي. فالإمارات اليوم لا تواكب الثورة الكمية فحسب، بل تصوغها من موقع القيادة، وتبني عبرها مستقبلًا يقوم على العلم والسيادة والابتكار المسؤول.
رحلتي مع مجال العلوم الكمية لم تصل إلى نهايتها بعد، بل تتجدد في كل مرحلة، حيث تتلاقى الرؤية الوطنية الإماراتية مع طموح إنساني عابر للحدود نحو مستقبل تتحد فيه المعرفة والسيادة والإنسانية في منظومة واحدة تنبض بالإبداع والمسؤولية. لقد علّمتني هذه المسيرة أن النجاح في بناء منظومة كمية متكاملة لا يتحقق بجهد فردي، بل يقوم على قوة الشراكات الحقيقية ودعم المجتمع العلمي والتقني وروح التعاون التي تجمعنا في دولة الإمارات. فكل إنجاز تحقق كان ثمرة عمل جماعي جمع بين مؤسسات وطنية سيادية وشركاء أكاديميين وصناعيين وخبرات دولية آمنت برؤية الإمارات للمستقبل.
لقد كان لقيادة دولة الإمارات، برؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، الأثر الأعمق في تشكيل هذه المسيرة. فبفضل هذا الإيمان بالعلم والإنسان، وبالقدرة على تحويل المعرفة إلى أداة لبناء المستقبل، أصبحت الإمارات اليوم في طليعة الدول التي توظف العلوم الكمية لتحقيق الرفاه والأمن والسيادة.
إن ما تحقق حتى الآن ليس سوى بداية طريق أطول، طريق يقوده الإيمان بالعلم وتدعمه القيادة الحكيمة، ويُبنى على روح التعاون بين الإنسان والتقنية لخدمة وطن يؤمن بأن المستقبل يُصنع بالإرادة والمعرفة لا بالصدفة.
ملاك طرابلسي لوب هي خبيرة قانونية واستراتيجية في مجالات القانون الدولي للأعمال، والتقنيات الناشئة، والأمن الوطني، والسياسات العامة للابتكار. تشغل منصب الرئيسة التنفيذية لكل من مجموعة فيرنويل وشركة طرابلسي لوب للاستشارات القانونية ، وهي مؤسسة قمة الابتكار الكمي (Quantum Innovation Summit)، ورئيسة كونسورتيوم كوينوفيجن (QInnovision Consortium)، إحدى أبرز المبادرات المؤسسية التي تعمل على تسريع تبنّي التقنيات الكمية في القطاعات الاستراتيجية.
بقلم: ملاك طرابلسي لوب
الرئيسة التنفيذية لمجموعة فيرنويل
تُعد ملاك طرابلسي لوب من الأصوات الفكرية الرائدة في الربط بين القانون والتكنولوجيا والسيادة الوطنية والأمن الوطني، حيث أسست مجموعة فيرنويل لتكون منصة تجمع بين التعليم والسياسات التقنية وبناء المنظومات المؤسسية في مجالات الفضاء، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الكمية.
تحت قيادتها، أطلقت مجموعة فيرنويل سلسلة من المبادرات الوطنية والدولية التي تهدف إلى تمكين الابتكار المسؤول وتعزيز الأمن التقني والمعرفي والوطني في المنطقة، منها قمة الابتكار الكمي التي أصبحت حدثًا دوليًا مرجعيًا في العالم العربي، وكونسورتيوم كوينوفيجن الذي يعمل على مواءمة السياسات العامة مع مسارات البحث والتطوير والتطبيقات الصناعية في إطار يعزز السيادة الرقمية والأمن الوطني.











